من وحى القرآن

الرضا بالقضاء والقدر في الإسلام

 

الرضا بالقضاء والقدر من أسمى مقامات الإيمان وأرفع درجات السلوك الروحي في الإسلام، فهو ثمرة اليقين بالله والتسليم الكامل لمشيئته، ودليل على صدق العبودية وعمق الإيمان. إن الإيمان بالقدر أحد أركان الإيمان الستة التي لا يكتمل إيمان العبد إلا بها، كما قال النبي ﷺ:

«أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره».

فالقدر هو ما قدّره الله تعالى في علمه الأزلي مما سيكون، والرضا به هو أن يطمئن قلب المؤمن لما قضاه الله عليه، سواء وافق هواه أم خالفه.

 

الرضا ليس مجرد صبر على البلاء، بل هو مرتبة أعلى منه، لأن الصبر هو حبس النفس عن الجزع، أما الرضا فهو طمأنينة القلب وهدوء النفس عند ورود القضاء. الصابر يتألم لكنه لا يعترض، أما الراضي فهو يجد في قلبه سكينة ومحبة لما اختاره الله له، لأنه يعلم أن الله أرحم به من نفسه وأعلم بمصالحه. يقول الله تعالى:

﴿ مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ۚ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾

[سورة التغابن: ١١].

فمن أيقن أن كل ما يجري في الكون بتقدير الله ووفق حكمته، هداه الله إلى السكون والطمأنينة والرضا.

 

الرضا بالقضاء لا يعني ترك الأسباب أو الاستسلام للكسل، بل يعني أن يسعى المسلم في الخير ويجتهد في العمل، فإذا وقع عليه ما لا يحب، قبله برضا وتسليم، عالمًا أن الأمر كله لله. وقد كان الأنبياء والصالحون أصدق من جسّد هذا المعنى، فها هو نبي الله يعقوب عليه السلام، بعد فقده ليوسف وبنيامين، يقول في صبرٍ مؤمنٍ راضٍ:

﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾

[سورة يوسف: ٨٣].

وهذا الرضا هو الذي جعل القلوب ثابتة والإيمان راسخًا رغم كل المحن.

 

ومن تمام الرضا أن لا يضيق صدر المؤمن بما فاته من رزق أو فرص أو أحلام، لأن ما قدّره الله له هو الخير بعينه وإن لم يدركه الآن. يقول تعالى:

﴿ عَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[سورة البقرة: ٢١٦].

فالرضا الحقيقي هو أن ترى يد الله في كل ما يحدث لك، وتوقن أن ما كتبه الله لك لن يخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك.

 

الرضا يمنح القلب راحة وسلامًا داخليًا، ويُطفئ نار الحزن والقلق. فكم من إنسان عاش في ضيق لأنه اعترض على أقدار الله، وكم من آخر عاش في سعادة رغم قلة حظه في الدنيا لأنه رضي وسلم. وقد قال بعض السلف: “من رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط”. فالعبد الذي يسلم أمره لله، يعيش مطمئنًا مهما تغيّرت الظروف، لأنه يعلم أن وراء كل قضاء حكمة، ووراء كل ابتلاء رحمة.

 

إن الرضا بالقضاء والقدر لا يُفقد الإنسان حيويته أو إرادته، بل يزيده قوة وثقة بالله، لأنه يعيش بين جناحين من الإيمان: جناح السعي والعمل، وجناح الرضا والتسليم. وهو بذلك يجمع بين التوكل على الله والأخذ بالأسباب، فلا ييأس إن خسر، ولا يغتر إن فاز، لأن قلبه معلق بالله لا بالدنيا. يقول تعالى:

﴿ قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

[سورة التوبة: ٥١].

 

وفي نهاية الأمر، الرضا بالقضاء والقدر هو سر السعادة في الدنيا والنجاة في الآخرة. فهو عبادة قلبية عظيمة لا يصل إليها إلا من صفا توحيده وصدق توكله. ومن ذاق حلاوة الرضا عاش في جنةٍ قلبيةٍ لا يعرفها إلا من عرف الله حق المعرفة. فالقضاء كله عدل، والقدر كله خير، وما عند الله خيرٌ وأبقى.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى