
تُعَدّ اضطرابات المناعة الذاتية من أكثر المشكلات الصحية تعقيدًا، نظرًا لتشابك آليات حدوثها وتأثيرها على مختلف أعضاء الجسم. ويحدث هذا النوع من الاضطرابات عندما يختلّ نظام المناعة —الذي صُمِّم للدفاع عن الجسم— فيتعامل مع خلاياه الطبيعية على أنّها أجسام غريبة ينبغي مهاجمتها. وتُسفر هذه العملية عن التهابات مزمنة قد تمتدّ إلى أنسجة متعدّدة، مما يُضعف الوظائف الحيوية ويؤثر في جودة الحياة.
أسباب الاضطرابات المناعية
على الرغم من أنّ السبب المباشر لهذه الاضطرابات غير معروف بشكل قاطع، فإنّ الأبحاث تُرجّح وجود عوامل متعددة تسهم في حدوثها، من أهمها:
1. الاستعداد الوراثي: إذ يُلاحَظ تكرارها في بعض العائلات، مما يشير إلى دور الجينات في زيادة قابلية الإصابة
2. العوامل البيئية: مثل التعرّض للفيروسات، أو الملوِّثات، أو بعض المواد الكيميائية
3. الاختلالات الهرمونية: وتفسّر ارتفاع نسبة الإصابة بين النساء مقارنة بالرجال.
4. التوتر النفسي المزمن: الذي قد يؤثر في توازن الجهاز المناعي ويُحفّز ظهور الأعراض.
أمثلة على اضطرابات المناعة الذاتية
تتعدّد الأمراض التي تندرج تحت هذا المفهوم، ومنها:
• الذئبة الحمراء الجهازية (SLE)
• الروماتويد المفصلي
• داء السكري من النوع الأول
• الداء البطني (السلياك)
• التصلّب المتعدّد (MS)
وتتميز جميعها بوجود التهابات مزمنة تنتج عن مهاجمة الجهاز المناعي للخلايا السليمة.
الأعراض والعلامات السريرية
تختلف الأعراض باختلاف العضو المصاب، إلا أنّ هناك سمات عامة تتكرر بين معظم المرضى، مثل:
• التعب المزمن
• آلام المفاصل
• الحمى المتكررة
• فقدان الوزن غير المبرّر
• طفح جلدي أو تورّمات
وفي بعض الحالات، تظهر الأعراض على هيئة نوبات تتراوح بين النشاط والخمول.
طرق التشخيص
يعتمد تشخيص هذه الاضطرابات على مزيج من التاريخ المرضي، والفحص السريري، والفحوصات المخبرية، مثل:
• قياس الأجسام المضادّة الذاتية
• مؤشرات الالتهاب
• فحوصات وظائف الأعضاء
وقد يلجأ الطبيب إلى التصوير بالرنين المغناطيسي أو الأشعة المقطعية حسب العضو المتأثر.
العلاج وإدارة المرض
لا يوجد علاج نهائي لمعظم اضطرابات المناعة الذاتية، لكن يمكن السيطرة عليها بفاعلية عبر:
• الأدوية المثبِّطة للمناعة
• العقاقير المضادّة للالتهاب
• تعديلات نمط الحياة مثل تحسين النوم، وتقليل التوتر، وممارسة الرياضة الخفيفة، والالتزام بنظام غذائي مناسب.
وتهدف هذه الوسائل إلى الحدّ من الالتهاب، ومنع تدهور الأنسجة، وتحسين جودة الحياة.
خلاصة
اضطرابات المناعة الذاتية حالة معقدة تتطلب متابعة طبية مستمرة وفهمًا لطبيعة المرض وتحدياته. ومن خلال التشخيص المبكر وإدارة العلاج بشكل صحيح، يمكن للمرضى أن يعيشوا حياة مستقرة إلى حدّ كبير مع تقليل المضاعفات على المدى الطويل.



