لقد جاء الإسلام برسالة إنسانية عالمية رفعت من شأن المرأة وأعادت إليها كرامتها بعد أن كانت في المجتمعات الجاهلية مظلومة ومهضومة الحقوق، تُورث ولا ترث، وتُعامل كسلعة لا كإنسان. فجعل الإسلام المرأة شقيقة للرجل في التكليف والتشريف، ومنحها حقوقًا لم تعرفها البشرية من قبل، لتكون عنصرًا أساسيًا في بناء الأسرة والمجتمع.
أول ما أكد عليه الإسلام أن المرأة مساوية للرجل في أصل الخلق والكرامة، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: 1].
فالمرأة والرجل من نفس واحدة، يتكاملان في بناء الحياة، ولا مجال للانتقاص من شأنها أو الحط من قدرها.
كما ساوى الإسلام بين الرجل والمرأة في الثواب والعقاب، فلا فرق في الجزاء الأخروي إلا بما قدم كل منهما من عمل، قال تعالى:
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97].
وهذا يبين أن المرأة ليست تابعة ولا أقل شأنًا من الرجل في ميزان الله، وإنما هي مثله في المسؤولية والمحاسبة.
ومن عناية الإسلام بالمرأة أنه منحها حق الميراث بعد أن كانت محرومة منه، فجعل لها نصيبًا معلومًا بحسب درجتها ومكانتها، قال تعالى:
﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾ [النساء: 7].
وبهذا ضمن لها استقلالًا ماليًا وحقًا ثابتًا في الملكية والتصرف بأموالها دون وصاية.
كما كفل الإسلام للمرأة حقها في اختيار الزوج، وجعل الزواج قائمًا على المودة والرحمة، لا على القهر والإكراه، قال تعالى:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21].
وأمر الزوج بمعاشرتها بالمعروف، فقال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19].
ولم يقتصر تكريم الإسلام للمرأة على حقوقها كزوجة، بل رفع من شأنها كأم، فجعل برها من أعظم القربات، وقرن رضاها برضا الله، فقال النبي ﷺ: «الجنة تحت أقدام الأمهات» (رواه النسائي). كما أوصى بها خيرًا في خطبة الوداع بقوله: «استوصوا بالنساء خيرًا».
وللمرأة في الإسلام دور بارز في العلم والتعليم، فقد كانت السيدة عائشة رضي الله عنها مرجعًا لكبار الصحابة في الفقه والحديث، وكان من النساء من برزن في ميادين الجهاد والقيادة والرأي، مما يدل على أن الإسلام لم يحجر على المرأة دورها في الحياة العامة، بل جعلها شريكة فاعلة في النهضة الإنسانية.
ولذلك فإن عناية الإسلام بالمرأة لم تكن مجرد كلام أو شعارات، بل أحكام عملية وتشريعات واضحة، ضمنت لها الكرامة والحقوق، وجعلتها ركنًا أساسيًا في بناء الأمة، تُربّي الأجيال، وتشارك في نهضة المجتمع، وتساهم في نشر العلم والدين.
وخلاصة القول، أن الإسلام رفع من مكانة المرأة وأعاد لها حقوقها المسلوبة، فكرمها بنتًا وزوجة وأمًا، ومنحها الحرية والكرامة، وجعلها شقيقة الرجل في المسؤولية والجزاء. وبذلك يكون الإسلام قد سبق كل المواثيق الإنسانية الحديثة في تقرير حقوق المرأة وحمايتها، مؤكدًا أنها إنسان كامل الأهلية، لها دورها وكرامتها في الدنيا والآخرة.










