على الرغم من مرور أكثر من ثلاثة أسابيع على التصعيد العسكري الذي أطلقه الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” ضد إيران، إلا أن العلاقة مع الحلفاء الأوروبيين لا تزال تعيش حالة من الضبابية وعدم الاستقرار؛ ففي حين يشن “ترامب” هجوماً كلامياً حاداً واصفاً موقفهم بـ “الجبن” لتأخرهم في المساندة، تبرز المفارقة في غياب أي طلبات رسمية أو خطة عمل واضحة من جانب واشنطن تضع هؤلاء الحلفاء أمام مسؤولياتهم، تاركة مساعي إعادة فتح مضيق هرمز عالقةً في دوامة من التصريحات المتناقضة، وفق ما كشفته مجلة “بوليتيكو” الأمريكية، نقلًا عن مسؤولين في سبع حكومات أوروبية.
واشنطن تطلب المساعدة لكن لا أحد يعرف ماذا تريد
على الرغم من تعهد أكثر من 30 دولة، من بينها غالبية دول حلف الناتو، بتقديم “جهود مناسبة” لاستئناف حركة الملاحة عبر المضيق الحيوي، تكشف “بوليتيكو” أن هذه التعهدات لا تعدو كونها كلامًا في الهواء حتى الآن، إذ لم تُحدد واشنطن طبيعة الدعم المطلوب، فيما يتحاشى الحلفاء إرسال أصولهم العسكرية إلى المنطقة خشية الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع إيران.
وفي هذا السياق، وصف مسؤول أوروبي رفيع المستوى الموقف الأمريكي بأنه “غير متسق بشكل سخيف”، مستغربًا كيف تطالب واشنطن حلفاءها في الوقت ذاته بتعزيز دفاعاتهم الأوروبية، ودعم أوكرانيا، والانتشار في الشرق الأوسط، وكأن هذه المهام لا تتعارض.
من الإرضاء إلى المواجهة
يعكس هذا الجمود الدبلوماسي تحولاً لافتًا في الموقف الأوروبي، إذ باتت القارة العجوز تُفضل مواجهة ترامب على استرضائه في حرب لم تُستشر فيها، إذ أبدى وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، تحفظه الصريح لبوليتيكو، قائلًا إنه كان يتمنى “مزيدًا من القدرة على التنبؤ والوضوح والبُعد الإستراتيجي”.
وذهب الرئيس الألماني فرانك-فالتر شتاينماير إلى أبعد من ذلك، معلنًا أن “هذه الحرب تنتهك القانون الدولي”، ومشككًا في مزاعم واشنطن بشأن وجود تهديد وشيك على الأراضي الأمريكية.
وعلى الصعيد الأطلسي، لخَّص دبلوماسي في حلف الناتو الموقف الأوروبي بعبارة مدوية نقلتها بوليتيكو: “نحن لا نوافق على الانجرار إلى حرب لم نبدأها، دون أن نعرف ما الذي ستفعله الولايات المتحدة.. أنا فخور بـ(لا) التي قلناها”.
اجتماعات وبيانات بدلًا من سفن وجنود
في غياب طلبات واضحة، لجأ الحلفاء إلى ما هو في متناول أيديهم، وهو الاجتماعات والبيانات الداعمة، إذ أعلنت المملكة المتحدة، التي تقود المشاورات خلف الكواليس إلى جانب الأمين العام للناتو مارك روته، عن استضافة قمة أمنية “في المستقبل القريب” لإبقاء زخم جهود إعادة فتح المضيق.
كما أفاد دبلوماسي فرنسي مطلع على المحادثات، لـ”بوليتيكو”، بأن وزراء خارجية مجموعة السبع سيناقشون الملف الإيراني في اجتماعهم قرب باريس، بما في ذلك مسألة استئناف الملاحة في المياه الخليجية مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو.
ما يمكن أن يقدمه الأوروبيون حين تهدأ المعارك
على الصعيد العملي، يرى سيدهارث كاوشال، الباحث الأول في معهد الدراسات الدفاعية والأمنية “روسي”، أن أوروبا تمتلك قدرات حقيقية قادرة على سد ثغرات أمريكية فعلية، ولا سيما في مجال مكافحة الألغام البحرية، إذ لا تمتلك الولايات المتحدة سوى أربع سفن متخصصة من هذا النوع، في مقابل نحو 40 سفينة تمتلكها ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وبلجيكا وهولندا وعدد من الدول الأوروبية الأخرى مجتمعةً.
فضلاً عن ذلك، يمكن للأوروبيين نشر مدمرات لمرافقة القوافل التجارية عبر المضيق، في ظل محدودية عدد السفن الأمريكية المتاحة للنشر الفوري، غير أن مسؤولًا بريطانيًا في الدفاع أكد لـ”بوليتيكو” أن أي تحرك عسكري مشترك من هذا القبيل لن يكون ممكنًا قبل أن تتوقف العمليات القتالية أو تتراجع حدتها بشكل ملموس، مشيرًا إلى أنه “يجب أن يكون هناك توقف، إن لم يكن كاملًا، فعلى الأقل في حجم ووتيرة العمليات القتالية في المنطقة”.











